علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي

44

شرح جمل الزجاجي

أن كان غير متعدّ ، فدلّ ذلك على أنّه منقول إلى " فعل " حتى يصير غير متعدّ . والآخر : أنّهم إذا أرادوا التعجب من الثلاثيّ قالوا : " لفعل " ، نحو : " لشرف زيدا " ، و " لضربت يدك " ، فينقلون " فعل " و " فعل " إلى " فعل " ، ومن كلامهم : " ضربت إليك يدك " ، أي : ما أضربها ! فإن قيل : فلأيّ شيء بني على " فعل " ؟ فالجواب : إنّ التعجب موضع مبالغة و " فعل " من أفعال الغرائز والطبائع ، ومن المبالغة في الفعل أن يجعل كأنّه طبع في التعجب منه . إلّا ألفاظا استغنت العرب عن التعجب منها ب " أشدّ " وما في معناها ، وهي : " قام " ، و " قعد " ، و " نام " ، و " سكر " ، و " غضب " ، و " جلس " ، و " قال " ، من القائلة ، فلم يقولوا : " ما أقومه " ، لئلا يلتبس ب " ما أقومه " من " استقام " ، ولم يقولوا : " ما أقعده " ، لئلا يلتبس ب " ما أقعده من أب " ، ولم يقولوا : " ما أجلسه " ، حملا على " ما أقعد " لأنّه في معناه أو حملا على " ما أقومه " لأنّه نقيضه ، ولم يقولوا : " ما أسكره " ، لئلا يلتبس بقولهم : " ما أسكر التمر " ، إذا كان من السكّر . وأما " ما أنومه " ، و " ما أغضبه " ، و " ما أقيله " فلم نقل استغنت عنها بالتعجب ب " أشدّ " وما في معناها وكلّ ما ذكرنا أنّه لا يجوز التعجب منه ، فإنّ العرب إذا أرادت التعجب منه أتت بفعل يجوز أن تتعجب منه ، ونصبت مصدر ذلك الفعل الذي قصدت التعجب منه على أنّه مفعول له ، فتقول : " ما أشدّ استخراجه للمال " ، و " ما أبين حمرته " ، و " ما أسوأ عماه " ، وكذلك جميع ما لا يتعجّب منه . * * * [ 2 - مذاهب النحاة في " ما " ] : وفي " ما " في ما أفعله خلاف بينهم ، فمذهب أبي الحسن الأخفش أنّها موصولة ، والفعل الذي بعدها صلة لها ، والخبر محذوف ، والتزم حذفه كما التزم حذف خبر المبتدأ الواقع بعد " لولا " ، إذ لا يسوغ عنده أن تكون اسما تاما ، لأنّ " ما " لا تكون عنده اسما تاما إلّا في الشرط والاستفهام أو يلزمها النعت ، نحو : " مررت بما معجب لك " ، وهذا فاسد لأنه إذا جعلها موصولة كانت معرفة ، فيناقض ذلك معنى التعجب ، لأنّ التعجب لا يكون إلا من خفيّ السبب .